فخر الدين الرازي

293

تفسير الرازي

ثم قال : * ( القدوس ) * قرىء : بالضم والفتح ، وهو البليغ في النزاهة في الذات والصافات ، والأفعال والأحكام والأسماء ، وقد شرحناه في أول سورة الحديد ، ومضى شيء منه في تفسير قوله : * ( ونقدس لك ) * ( البقرة : 30 ) وقال الحسن : إنه الذي كثرت بركاته . وقوله : * ( السلام ) * فيه وجهان الأول : أنه بمعنى السلامة ومنه دار السلام ، وسلام عليكم وصف به مبالغة في كونه سليماً من النقائص كما يقال : رجاء ، وغياث ، وعدل فإن قيل فعلى هذا التفسير لا يبقى بين القدوس ، وبين السلام فرق ، والتكرار خلاف الأصل ، قلنا : كونه قدوساً ، إشارة إلى براءته عن جميع العيوب في الماضي والحاضر ، كونه : سليماً ، إشارة إلى أنه لا يطرأ عليه شيء من العيوب في الزمان المستقبل فإن الذي يطرأ عليه شيء من العيوب ، فإنه تزول سلامته ولا يبقى سليماً الثاني : أنه سلام بمعنى كونه موجباً للسلامة . وقوله : * ( المؤمن ) * فيه وجهان الأول : أنه الذي آمن أولياءه عذابه ، يقال : آمنه يؤمنه فهو مؤمن والثاني : أنه المصدق ، إما على معنى أنه يصدق أنبياءه بإظهار المعجزة لهم ، أو لأجل أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم يشهدون لسائر الأنبياء ، كما قال : * ( لتكونوا شهداء على الناس ) * ( البقرة : 143 ) ثم إن الله يصدقهم في تلك الشهادة ، وقرئ بفتح الميم ، يعني المؤمن به على حذف الجار كما حذف في قوله : * ( واختار موسى قومه ) * ( الأعراف : 155 ) . وقوله : * ( المهيمن ) * قالوا : معناه الشاهد الذي لا يغيب عنه شيء . ثم في أصله قولان ، قال الخليل وأبو عبيدة : هيمن يهيمن فهو مهيمن إذا كان رقيب على الشيء ، وقال آخرون : مهيمن أصله مؤيمن ، من آمن يؤمن ، فيكون بمعنى المؤمن ، وقد تقدم استقصاؤه عند قوله : * ( ومهيمناً عليه ) * ( المائدة : 48 ) وقال ابن الأنباري : المهيمن القائم على خلقه برزقه وأنشد : ألا إن خير الناس بعد نبيه * مهيمنه التاليه في العرف والنكر قال معناه : القائم على الناس بعده . وما * ( العزيز ) * فهو إما الذي لا يوجد له نظير ، وإما الغالب القاهر . وأما * ( الجبار ) * ففيه وجوه أحدها : أنه فعال من جبر إذا أغنى الفقير ، وأصلح الكسير . قال الأزهري : وهو لعمري جابر كل كسير وفقير ، وهو جابر دينه الذي ارتضاه ، قال العجاج : قد جبر الدين الإله فجبر ( c ) والثاني : أن يكون الجبار من جبره على كذا إذا أكرهه على ما أراده ، قال السدي : إنه الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما أراده ، قال الأزهري : هي لغة تميم ، وكثير من الحجازيين يقولونها ، وكان الشافعي يقول : جبره السلطان على كذا بغير ألف . وجعل الفراء الجبار بهذا معنى